الشيخ محمد رشيد رضا
624
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
لتفسير افتراء الكذب ، وتعقب بأن التفسير لا يأتي بأو ، والمختار انه من عطف المقيد على المطلق أو الخاص على العام ، فان افتراء الكذب على اللّه يشمل كل قول على اللّه بغير علم سواء كان ذلك في ذاته أو صفاته أو أفعاله فيدخل فيه ادعاء الوحي ، ومنه ادعاء التحليل والتحريم وغير ذلك من أحكام الشرع بغير علم ، وفي هذا الأخير آية الانعام ( 144 ) وهي الثالثة في هذا المعنى وستأتي ان شاء اللّه تعالى . وجعل بعضهم « أو » للتنويع في المعنى الواحد كأن يراد بالافتراء ادعاء النبوة من غير ذكر الوحي ، وبالثاني ادعاء الوحي من غير ذكر النبوة والرسالة ، وان كانا متلازمين . وما اخترناه أظهر . قالوا : نزل هذا في الذين ادعوا النبوة من العرب وروي عن عكرمة وقتادة تخصيص مسيلمة الكذاب ، والحق أنه يدخل في عموم حكمه من ذكر ، والسورة مكية نزلت قبل ادعائهم النبوة بزمن طويل فالمعروف أن مسيلمة ادعى النبوة سنة عشر من الهجرة حتى قيل إن ذلك كان بعد حجة الوداع وفي أثناء مرض النبي ( ص ) الذي توفي فيه ، فلما سمع الناس بمرضه وثبت الأسود العنسي باليمن ومسيلمة باليمامة وطليحة في بني أسد فادعوا النبوة . ذكره ابن الأثير في تاريخه . ويكفي في صحة الوعيد فرض وقوع الذنب أو توقعه ، وناهيك بوعيد عالم الغيب والشهادة جل وعز وَمَنْ قالَ سَأُنْزِلُ مِثْلَ ما أَنْزَلَ اللَّهُ أي لا أحد أظلم ممن افترى على اللّه أو ادعى الوحي منه وممن ادعى انه قادر على انزال مثل ما أنزل على رسوله ، كمن قال من المشركين ( لَوْ نَشاءُ لَقُلْنا مِثْلَ هذا ) وهو النضر بن الحارث فقد كان ممن يقول من كفار مكة ان القرآن أساطير الأولين وانه شعر لو نشاء لقلنا مثله . وروى ابن جرير عن عكرمة والسدي ان هذا نزل في عبد اللّه بن سعد بن أبي سرح أخي بني عامر ابن لؤي أسلم وكان يكتب للنبي ( ص فكان إذا أملى عليه « سميعا عليما » كتب هو « عليما حكيما » والعكس فشك وكفر وقال إن كان محمد يوحى اليه فقد أوحي الىّ وان كان اللّه ينزله فقد أنزلت مثل ما أنزل اللّه . هذا تمثيل رواية السدي لما كان يغيره من عبارة الوحي . وعبارة عكرمة انه كان يملي عليه « عَزِيزٌ حَكِيمٌ » * فيكتب « غَفُورٌ رَحِيمٌ » * وهاتان الروايتان باطلتان فإنه ليس في شيء من السور المكية « سَمِيعاً عَلِيماً »